روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

397

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ أي : الذين شاهدوا اللّه باللّه بنعت المعرفة والمحبة ، وتابعوا رسوله بالصحبة ، والمعرفة بشرفه وفضله ، والانقياد بين يدي أمره ونهيه ، أولئك هم الصديقون ؛ لأنهم معادن الإخلاص واليقين ، وتصديق اللّه في قوله بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية التي لا اضطراب فيها من جهة معارضة النفس والشيطان ، وهم شهداء اللّه تعالى ، مقتولون بسيوف محبته ، مطروحون في حجر وصلته يحيون بجماله ، يشهدون على وجودهم بفنائه في اللّه وبفناء الكون في عظمة اللّه ، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور اللّه ، يشهدون لهم وعليهم بصدق الفراسة ؛ لأنهم أمناء اللّه ، خصّهم اللّه بالصديقية والشهادة والولاية والخلافة . وقال أبو علي الجوزجاني : الصديقون حزب اللّه ، خواصهم أهل المعرفة ، وأوساطهم العقلاء . وقال : قلوب الأبرار معلقة بالملكوت مقبلين ومدبرين ، وقلوب الصديقين معلقة بالرب مقبلين باللّه وللّه . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 21 ] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) قوله تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ : دعا المريدين إلى مغفرته بنعت الإسراع ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق والأشواق ، وقد دخل الكل في مظنة الخطاب ؛ لأن الكل قد وقعوا في بحار الذنوب حين لم يعرفوه حق معرفته ، ولم يعبدوه حق عبادته ، دعاهم جميعا إلى التطهير في بحر رحمته حتى صاروا متطهرين من غرورهم بأنهم عرفوه ، فإذا وصلوا عرفوا أنهم لم يعرفوه ، فيأخذ اللّه بأيديهم بعد ذلك ، ويكرمهم بكشف جنان قربه وفراديس مشاهدته ، ولولا رحمته وغفرانه لهلكوا جميعا في أول بوادي سطوة غرته ، لكن أغفلهم عنه فيه حتى يبقوا ، ولو رفع عنهم غطاء الغفلة والجهل به في مشاهدته لهلكوا جمعيا حسرة من فقدان الحق والحقيقة . قال الحسين في هذه الآية : لما باشرت هذه المخاطبة العقول نهضت مستحضة للجوارح بحسن التوجه ؛ لإقامة مائة يحطون عند من استجابوا لدعوته ، فظنوا لإشارته ، وأقاموا تحت العلم بقربه ، وقرت عيونهم بما أورد على قلوبهم بالسرور بالخلوة ، جلاسا إناسا أكياسا لا يرهبون في الطريق إليه غيره ، ولا يتوسلون إليه الأبد ، ولا يسألونه شيئا غير التمتع بخدمته ،